ابراهيم بن عمر البقاعي
641
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كانوا يظنون أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ادعاء ما هو ظاهر البطلان ، قال : وَلا أَقُولُ أي بدعوى الرسالة ؛ ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم أعلى الأنبياء صفاء وأنورهم قلبا وأشدهم في كل هدى إضاءه وأنقاهم من نقائص البشر ، وكان هذا أمرا من اللّه له . قيد بقوله : لَكُمْ إفهاما لأنه لا يمتنع عليه أن يقول ذلك ، بل لو قاله كان صادقا ، ومثله كثير في مجازاتهم ومجاري عاداتهم في محاوراتهم ، وأما إسقاط « لكم » في قصة نوح من سورة هود عليهما السّلام فتواضعا منه لكونه من قوله ، من غير تصريح بإسناد الأمر فيه إلى اللّه تعالى إِنِّي مَلَكٌ فأقوى على الأفعال التي تقوى عليها الملائكة من التحرز عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال الملائكة . فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلها أو ملكا ، انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله ، فقال على وجه النتيجة : إِنْ أي ما أَتَّبِعُ أي بغاية جهدي إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ أي ما رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن معارضته - أعظم شاهد لي ، ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئا مما تقدم نفيه ، وأوحى إلي لأنذركم به خصوصا ، وأنذر به كل من بلغه عموما ، وذلك غير منكر في العقل ولا مستبعد بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر ، وقد قام على ثبوته لي واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين ، فإن كان فيه الإذن لي بإبراز خارق أبرزته ، وإن كان فيه الإعلام بمغيب أبديته ، وإلا اقتصرت على الإبلاغ مع التحدي ، وهو مخبر بأن اللّه - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة . ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار والبصائر ، لا يهتدون إلى ما ينفعهم ، ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي عن وهم ولا وصم ، بل هم كالسالك بين المهالك ، يتبين بادىء بدئه في دعواه الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أبصر البصراء وأحكم الحكماء لأتباعه علام الغيوب ، وكان موضع أن يقال : ما يوحى إليك في هذا المقام ؟ قال على وجه التبكيت لهم : قُلْ أي لكل من يسمع قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان هَلْ يَسْتَوِي أي يكون سواء من غير مرية الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ فإن قالوا : نعم ، كابروا الحس ، وإن قالوا : لا ، قيل : فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ، ومن أعرض عنها فهو العمى ، ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى ؛ ثم أمره بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله : أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ * أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات .